« أبناء الوزارة « بلا تأشيرة خروج

السبت ٣/٠٣/٢٠١٨

متى يبكي المُلوكُ إذا لم تبكِ على طِفل، سألهُ الملِك: شوِّ بِدك فقال بِبراءةِ الأطفالِ أُريدُ أنّ آكل أنا جوْعانُ!

أن تبكي الملِك حسين يعني أنّ تدخُّل في غيْبوبةِ حُزنٍ لا تستفيق مِنها إلّا في الكفنِ، أن تستنطِق الشّوارع التي مرًّ بِها، أن تُسعِفك الذِّكرى بِاِستِعادةِ اِبتِسامتِهِ في أصعبِ الظروفِ قسوَة على الأُردُنِ، اُتُّشِحت عمّان بِالسّوادِ وأُطلِقُ على جنازةِ الملِكِ بِجنازةِ العصرِ.

وها هوَ الملِكُ عبد الله الثاني مِثل أبيه يخبيء الحُزن إلى أوْقاتِ أُخرى يستقبِلُ زعماءُ العالم ويَتلقّى العزاء بِوالِدِهِ عادة المُلوكِ عادة الكبار. حسين العموش   مِن رِوايَةِ أبناءِ الوِزارة

 وكأنّما الكاتِب هُنا صنع مِن كُل اردنيّ بطلًا لِلرِّوايَةِ عندما كاد أن يفقِد وعيُهُ بِهِ، و فَرضَ على كُل مَن لم يشعُر بِذلِك أن يختلِجهُ هذا الشُّعور، فيَحمِلُ وطنُهُ وهناً على وهن، هذا النّقيعُ مِن مزج الحدث في عُمقِ الرِّوايَةِ عمل بارز ومعاصر، الكاتِبُ ليْس بِهذا الانسان الّذي يجلِسُ على شاطيء البحر يَغردُ كالطُّيور وهوَ في اُخمص فمهُ المفتوح، ولا الجالِس على بِساطٍ مِن العُشبِ يحلُمُ بِشكلِ الزهرةِ، اِنه حالة أُخرى مِن القدرِ والوَطن والحياة و البُيوتُ. يدوسُ بِالرِّوايَةِ على كل قدمٍ، لِتسير نحو الواقع و المفروض، يكتُبُ خيالُهُ بِحِبرٍ الأرض مِن خِلالِ الحدثِ الصّحيحِ و المكانُ الموْجودُ، فلا تَعي إنّ كُنت أنت البطلُ أم أنك القاريء. فالرِّوايَةُ المُتمكِّنةُ مِن هويّتِها تجُزُّ بك في عُنُقِ الواقِعِ وتتلمّسُ بِك الحقيقة. الرِّوايَةُ الّتي تُلقن الذّاكِرة وتُجيدُ حيازة الأماكِنِ تُعد تاريخًا، لِأنّها تحمِلُ هويّةً، لا ينفع أنّ تكوُّن روائياً دون أن تضع جواز سفر ليعبر على متنِك القاريء في تأشيرةٍ ، تخبُر أوْلادك كيْف عَبَرَ بلدِك الحُزن يوْماً عندما لم يكونوا موْجودين، تقُصّ على الأجيال الفقر و الفرح في كل حِيْن، فكُل شيْءِ يتغيّرُ حتّى الفقرِ والفرِحِ والحزنِ والتّاريخ، عِند الدُّخولِ إلى أبِناء الوِزارةِ تُعيدُك الأماكِن إلى سفرِك فتتنقل مِن خِلالِ الأحداثِ في عُبور سليم ومرير إلى باطِنِ السرد، وقد منحتك الرواية التأشيرة للدُّخول بِكُل يَرَاعَة حسين العموش لكنها لم تُعطك تأشيرة الخُروج، فتنتهي مِن الوَرقِ والسُّطور وأنت ما زِلت عالِقًا في ذهن الغِلافِ وممشوقًا في عمان والأغوار ودِمشق والأبطال والأحداث ودُور الأيتامِ.

يتحتّمُ على الرِوائيِّ أنّ يستفيء بِظِلِّ بلدِهِ، الهويّةُ ليست بِطاقة شخصيّة حتى تكون مُجرّد وسيلة لِلإقامةِ الجبريّةِ في المكان، إنّها العيْش الّذي تقتاتُ عليه كما تقتات مِنه، عندما تكتُبُ عن بلدٍ لِمُجرّدٍ أنّك تُحِبُّهُ ستكون حالِماً ولكِنّ البلد الّذي تعيُّشً فيه سيجعلك حقيقياً، الفرقُ بيْن الحقيقةِ والحُلم هوَ بين أنّ تكون موجوداً أو مفقوداً.

قلم العموش لقف كل الأقلام في قبضةٍ مُحكمةٍ فكانت أبناء الوزارة…